Géographie & Aménagement

الجغرافيا والتهيئة Géographie et Aménagement

Post Top Ad

الأحد، 28 يناير 2018

مقدمة حول التحولات السوسيومجالية بالواحات المغربية


شهد المجال المغربي عامة تحولات مجالية مهمة، حيث تميز بحركية متواصلة عرفت جل مناطقه تعميرا متواصلا، كان إحدى السمات الأساسية التي طبعت ديناميكية المجتمع و المجال المغربي، و لم تتوقف زيادة وثيرة النمو الديمغرافي منذ فترة الاستعمار إلى اليوم مرورا بسنوات السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي التي عرفت فيها بنية السكان طفرة نوعية. أفرزت معها تغيرات مست بالخصوص بنية المجتمع المغربي الذي انتقلت ساكنته بشكل تدريجي من ساكنة ريفية بامتياز إلى أن تجاوزت الساكنة الحضرية لأكثر من نصف الساكنة المغربية، بحيث بلغت خلال بداية الألفية الثالثة 55,1  % من مجموع الساكنة التي وصلت حوالي 30 مليون نسمة سنة 2004 مع ظهور مدن مليونية كالدار البيضاء و الرباط و فاس ومراكش وغيرها، تساهم بشكل أو بأخر في تأطير المجال الذي تنتشر فيه (بنمير المهدي، 2005). وحسب توقعات المندوبية السامية للتخطيط (سنة 2014) فإن نسبة سكان الحواضر المغربية ستصل عند منتصف القرن الحالي إلى 68,5 %  . هذا التزايد الديموغرافي كان بالموازاة مع تغيّرات همت ميادين متعددة؛ إدارية، سياسية، قانونية، اقتصادية، اجتماعية ، ثقافية، مجالية... وحتى العقليات و الممارسات اليومية للسكان.
مع هذا التغيّر الكمي للساكنة، وبفعل التراكم الحاصل مع توالي السنوات والعقود طفت إلى السطح مجموعة من الإختلالات المجالية والاجتماعية المرتبطة بالسكن، مع تفاقمها واتساع الظاهرة أصبحت موضوع انشغال المغرب، الذي أحتفل سنة 2014 بالذكرى المئوية لصدور أول ظهير يؤطر هذا الميدان (قانون التعمير 1914)، لما يتولد عنها من مشاكل تستوجب التدخل عن طريق مجموعة من العمليات والإجراءات المؤطرة للتعمير (المصباحي عبد السلام، 1997)، من خلال تدبير كل التحولات التي لها بعد مجالي.
وهذه التحولات تستدعي التفكير في مدى أهمية بروز الأنظمة المجالية وتطورها، توالدها أو نهايتها وما يترتب عن ذلك من تحولات فجائية أو تحولات تسلسلية تعبر عن الانتقالية من وضع إلى وضع جديد. وقد أضحى اليوم للتعمير أهمية قصوى أكثر من أي وقت مضى، لما يلعبه هذا القطاع من دور مهم في حياة الفرد، لارتباطه بالسكن، كما انه بمثابة مرآة تعكس مدى تطور وتقدم الساكنة وتصنيف الدول، بحيث تعتبر الدول التي تتوفر على تجهيزات أساسية مهمة وتنظيم محكم لمجالاتها المبنية، من الدول المتقدمة التي  تتحكم في توجيه تزايد السّكن بطريقة متوازنة مع حاجيات السكّان، واحترام تام للبيئة المحلية في إطار ما أضحى يُصطلح عليه بـ "التنمية المستدامة".
وفي خضم هذه التحولات يعرف الجنوب الشرقي نموا وأزمات بصمت المجال و المجتمع، فالواحات المغربية التي تنتشر ضمن النطاق الجاف و الشبه الجاف ، عرفت خلال تاريخها مراحل مميزة في تنظيم المجال إذ ظل اسم واحتي درعة وتافيلالت حسب الكتابات التاريخية مرتبطا بتجارة القوافل وممرا لها بين دول العمق الإفريقي (السنغال، مالي، السودان، وغيرها) وبين المدن المغربية ( مراكش، فاس، طنجة،...).
 فرغم احتضانها لحاضرة سجلماسة والتي اختفت في ظروف تاريخية معينة، منها تراجع الاعتماد على القوافل التجارية الصحروية عبر سجلماسة مقابل الاعتماد على المحيط الأطلسي (المولودي محمد، 2004)، فإن باقي المناطق الواحية لم تعرف بروز ظاهرة التمدين رغم قدم الاستقرار البشري فيها، إلا خلال فترة الاستعمار بإنشاء القوات الفرنسية ثكنات عسكرية ومكاتب للشؤون الأهلية، كانت بمثابة النواة الأولى لظهور المراكز الحضرية الحالية ورزازت والراشيدية وتنغير وبومالن دادس و قلعة مكونة وغيرها، وقد ظلت الجماعات البشرية المنتشرة بها تنظم شؤونها داخل القصور (اقيوح الحسين، 2005) أو "إغرمان" تمارس عملية الانتجاع بين السهول والسفوح الجبلية للأطلس الكبير و المتوسط و الصغير، بالإضافة إلى الزراعة المعاشية في الرساتيق الضيقة، على المصطبات النهرية على طول الأودية الواحية و المنابع المائية بالنسبة للمجموعات البشرية المستقرة نهائيا أو بشكل شبه نهائي.
قبل التدخل الفرنسي كانت واحات الجنوب الشرقي تعرف نموا عمرانيا ينسجم مع الوضعية البيئية للواحة وساكنة لها نمط عيش يتناغم مع محدودية الموارد الطبيعية بالخصوص المائية منها، اليوم بعد ما يفوق نصف قرن من الاستقلال عن فرنسا، وترسيخ الإدارة المغربية محلها، وبفعل تواتر عوامل كثيرة  طفت إلى السطح إختلالات كثيرة تضع علامة استفهام كبرى حول مستقبل هذه الواحات في ظل غياب الانسجام والتناغم بين الموارد المحلية وطرق عقلانية في تدبيرها، مقابل تزايد حاجيات الساكنة الواحية.


        في إطار "الاقتصاد الواحي" المحدود (الموارد الترابية)، وتفاقم ضغط الساكنة ، نتج عن هذه الوضعية الغير متكافئة تحولات جذرية بظهور تكتلات حضرية / قروية لا تتجاوب في كثير من الأحيان مع الظروف المحلية. كان لتدفق الأموال من خلال الهجرة الداخلية والدولية، والسياحة والتجارة والخدمات، والتجهيزات الأساسية وغيرها، دورا مهما في هذا التحوّل.
خريطة الأحواض المائية الواحية بالمغرب
 إعداد وتقديم: أبوبكر صابري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad